أحمد مطلوب

592

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

العقلي « 1 » . وهذا النوع من المجاز تستعمل فيه الألفاظ المفردة في موضوعها الأصلي ويكون المجاز عن طريق الإسناد . وإذا ما ذهبنا نستقصي بحث هذا اللون من المجاز عند الأوائل لانجدهم يشيرون إلى اسمه هذا أو إلى اسمه الآخر « المجاز العقلي » وإن كانت في كتاب سيبويه بعض أمثلته كقول الخنساء : ترعى إذا نسيت حتى إذا ادّكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وكقولهم : « نهارك صائم » و « ليلك قائم » « 2 » وهذا الكلام محمول عنده على السعة والحذف . وفي كتاب « الكامل » للمبرّد أمثلة من هذا اللون كقول جرير : لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى * ونمت وما ليل المطيّ بنائم وقول رؤية بن العجّاج : حارث قد فرّجت عني غمي * فنام ليلي وتجلّى همّي « 3 » والمبرّد يذهب في ذلك مذهب سيبويه ويرى أنّ هذا الأسلوب مبالغة إلى جانب السعة والحذف . وتردّدت هذه الأمثلة في كتاب الآمدي « 4 » وكتاب ابن فارس الذي سمّاه « إضافة الفعل إلى ما ليس بفاعل في الحقيقة » « 5 » . ولكنّ هؤلاء لم يسمّوه باسمه ويرجع الفضل في فصله عن المجاز اللغوي إلى عبد القاهر الذي أولاه عناية كبيرة وقال في تعريفه : « وحدّه أنّ كلّ كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في الفعل لضرب من التأول فهو مجاز » « 6 » . وسماه مجازا عقليا ومجازا حكميا ومجازا في الإثبات وإسنادا مجازيّا « 7 » . وسمّاه السّكّاكي مجازا عقليا وتابعه ابن مالك والقزويني وشرّاح التلخيص « 8 » وعلّل المتأخّرون هذه التسميات المختلفة فقال ابن يعقوب المغربي : « ومن الإسناد مطلقا مجاز عقلي لأنّ حصوله بالتصرّف العقلي ، ويسمّى مجازا حكميّا لوقوعه في الحكم بالمسند اليه ويسمّى أيضا مجازا في الإثبات لحصوله في إثبات أحد الطّرفين للآخر ، والسلب حقيقته ومجازه تابع لما يحقّق في الإثبات . ويسمّى أيضا إسنادا مجازيّا نسبة إلى المجاز بمعنى المصدر لأنّ الإسناد جاوز به المتكلّم حقيقته وأصله إلى غير ذلك » « 9 » . وسمّاه السّيوطي « المجاز في التركيب » « 10 » أيضا . ورأى السبكي أن يسمّى « مجاز الملابسة » ولا يقال « مجاز إسناد » لقلة استعمال الإسناد بين الفعل وفاعله أو ما قام مقامه « 11 » . ولعل الذي دعاه إلى ذلك أنّه وجد علاقته الملابسة كما يفهم من كلام القزويني وأنّه لا بدّ منها في كل مجاز من هذا النوع . إنّ عبد القاهر فتح السبيل للبلاغيين بدراسته العميقة لهذا النوع من المجاز ، وقد نبّه العلوي إلى هذه الحقيقة فقال : « اعلم أنّ ما ذكرناه في المجاز الإسنادي العقلي هو ما قرّره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني واستخرجه بفكرته الصافية وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل الصناعة كالزمخشري

--> ( 1 ) التبيان ص 106 ، الاتقان ج 2 ص 36 . ( 2 ) الكتاب ج 1 ص 169 ، وتنظر ص 80 ، 89 ، 108 ، 110 . ( 3 ) الكامل ج 1 ص 118 ، 188 ، ج 3 ص 1170 ، وينظر جمهرة أشعار العرب ص 11 . ( 4 ) الموازنة ج 1 ص 165 ، 191 ، 216 . ( 5 ) الصاحبي ص 210 . ( 6 ) أسرار البلاغة ص 356 ، الايضاح في شرح مقامات الحريري ص 2 . ( 7 ) دلائل الاعجاز ص 227 ، 231 ، أسرار البلاغة ص 338 . ( 8 ) مفتاح العلوم ص 185 ، المصباح ص 59 ، الايضاح ص 26 ، التلخيص ص 45 ، شروح التلخيص ج 1 ص 231 ، المطول ص 57 ، الأطول ج 1 ص 72 . ( 9 ) مواهب الفتاح ج 1 ص 231 . ( 10 ) الاتقان ج 2 ص 36 . ( 11 ) عروس الأفراح ج 1 ص 231 وما بعدها .